|
المرجعيّة التاريخيّة للوظيفة العموميّة التونسية
تعود جذور الإدارة التونسية إلى التاريخ القديم، فقد عرفت الحضارة القرطاجنية تنظيما محكما في تسيير الشؤون الداخلية، وتجلى ذلك بالأساس في المؤسسات السياسية والإدارية المحدثة آنذاك، كما قسمت إفريقية الرومانية إلى دوائر وجهات إدارية منظمة. وقد تميّز إصلاح الوظيفة العموميّة بتونس بتجذّره تاريخيا حيث تم إحداث الوزارة الكبرى التي كانت تضمّ كلاّ من وزارة العمالة ووزارة الشؤون الخارجيّة ووزارة الماليّة ومكتب مراقبة الحسابات (ضبطت الأوامر المؤرّخة في 27 فيفري 1860 / 5 شعبان 1276 النظام الأساسي للوزارة الكبرى والأنظمة الداخليّة لوزارتي الداخلية والشؤون الخارجيّة). كما أحدثت وزارة الحرب (الأمر المؤرّخ في 06 ماري 1860/14 شعبان 1276 المتعلّق بضبط النظام الداخلي لوزارة الحرب) وكذلك وزارة البحريّة (الأمر المؤرّخ في 12 أكتوبر 1869/26 ربيع الأوّل 1277 المتعلّق بضبط النظام الداخلي لوزارة البحريّة). ومع منتصف القرن 19 عرفت البلاد حركة إصلاحيّة شملت أغلب مجالات قطاع الإدارة والوظيفة العموميّة حيث نصّ دستور 1861 في عدد من بنوده على قواعد تخصّ تنظيم الإدارة كما ضبط بعض حقوق الموظفين وواجباتهم وكيفيّة تصنيفهم (خاصّة الفصول من 70 إلى 85 من دستور 1861). ومع تولّي خير الدين التونسي الوزارة الكبرى وإن أبقى على التقسيمات المذكورة أعلاه فإنه سعى إلى ضبط علاقة "العمّال" بالحكومة وأعدّ مشروعا لتنظيم القضاء كما ألغى استلزام الضرائب وجعلها وظيفة إداريّة وأحدث أرشيف الدولة سنة 1874. وخلال الفترة الإستعماريّة تواصلت التحوّلات على مستوى القوانين المنظّمة للوظيفة العموميّة حيث تمّ إصدار عدّة أوامر سعت في معظمها إلى نقل التشاريع المعمول بها بفرنسا للإدارة العموميّة التونسيّة. فجاء الأمر المؤرّخ في 20 ديسمبر 1919 الذي نصّ في فصله الأوّل على أن "مرتّبات الأعوان المرسّمين والتابعين للدولة والمؤسّسات تضبط بمقتضى أوامر تركّز أساسا وقدر الإمكان على الوظيف المماثل بالإدارة الفرنسيّة". كما تمّ في 16 فيفري 1922 إصدار أمر يضبط النظام الأساسي لأعوان الإدارة العموميّة تبعه أوّل نظام أساسي لأعوان الوظيفة العموميّة في 10 نوفمبر 1926 تلاه الأمر الصادر في 7 فيفري 1936 والذي مكّن حاملي الجنسيّة الفرنسيّة من الدخول إلى الوظيفة العموميّة التونسيّة. وأقرّ هذا الإجراء فيما بعد بمقتضي الأمر المؤرّخ في 3 جوان 1937. وانطلاقا من الاستقلال، وعلى امتداد الخمسين سنة المنقضية شهدت الإدارة التونسية أجيالا متعاقبة من الإصلاحات:
الجيل الأول (1956 – 1986 ): تركيز الإدارة الوطنية تم الشروع في تونسة الإدارة استكمالا للسيادة الوطنية وبصفتها رمزا للإستقلال ولهيبة الدولة وجهازا مركزيا تسخره الدولة الحديثة لتحقيق التنمية الإقتصادية والتقدم الإجتماعي وبناء مجتمع عصري. وقد تمت منذ 21 جوان 1956 إعادة هيكلة الإدارة بإحداث الولايات والمعتمديات عوضا عن القيادات والخلفاوات. كما عرفت سنة 1959 صدور أوّل قانون متعلّق بالنظام الأساسي العام للوظيفة العمومية. واندرج القانون المذكور في إطار سعي الدولة آنذاك إلى مراجعة وضعيّة الموظفين في مختلف الدرجات والعمل على إرساء هيكل إداري وطني. وتدعّم هذا التوجّه سنة 1968 بإصدار القانون الأساسي العام لأعوان الدولة والجماعات العموميّة المحليّة والمؤسّسات العموميّة ذات الصبغة الإداريّة. وجاء هذا القانون مسايرة للواقع الجديد للإدارة العموميّة التونسيّة وللحاجة لمراجعة أوضاعها وتكييفها بما يتماشى بصفة أنجع مع التحوّلات الجديدة للمجتمع كما أصبح هذا النظام ينسحب على مختلف أصناف الأعوان العموميين. ومع بداية السبعينات تبنت الدولة سياسة الاقتصاد الحر لتشجيع المبادرة الخاصّة وأصبحت الوظيفة العمومية مطالبة أكثر فأكثر بمساندة قطاع خاص متنام والاضطلاع بدور محوري في مجال ضبط الخيارات الإقتصادية والتنموية والاجتماعية للبلاد.
جيل ثان من الإصلاحات (1987 – 2006 ): من الإصلاح إلى التنمية منذ تحول 7 نوفمبر 1987، ومع الشروع في تطبيق برنامج التعديلات الهيكلية تغيرت النظرة التقليدية لعلاقة الإدارة بالمواطن وبالمؤسسة الإقتصادية، كما شهدت العشرية الأولى جملة من الإصلاحات الرامية إلى إعادة هيكلة الإقتصاد بما يدعم التوازن بين دور الدولة وإمكانيات القطاع الخاص. وانطلاقا من سنة 1996 تم وضع برنامج لتأهيل الإدارة يعتمد على مخطط مركزي ومخططات تأهيل وزارية الهدف منها تركيز أسس إدارة عصرية. إحكام تنظيم مختلف مجالات العمل الإداري وترشيد طرق الأداء وتطوير وظائف التحليل والمتابعة والتقييم، كما تمحورت الإصلاحات الإدارية حول دعم سياسات الإصلاح الإقتصادي وإدماج الإقتصاد في الدورة العالمية. وخلال سنة 1999، ومع انطلاق البرنامج الرئاسي" خيار المستقبل"، شملت الإصلاحات الإدارية توجهات جديدة تأخذ في الإعتبار تطوير منظومة العلاقات مع المواطن وآليات الإصغاء إلى مشاغله، وتحقيق تطلعات المتعاملين مع الإدارة والتأقلم مع حاجياتهم، ودعم آليات المساءلة والرقابة، وإرساء نظم الجودة في المصالح العمومية الإدارية، وتبسيط الإجراءات الإدارية، وحذف التراخيص الإدارية أو تعويضها بكراسات شروط وتفعيل دور الإدارة في مساندة القطاع الخاص، وإرساء دعائم الإدارة الإلكترونية.
جيل جديد من الإصلاحات (2007 – 2011 ): إدارة استباقية للإسراع بالتنمية تدخل تونس مع بداية تنفيذ المخطط الحادي عشر للتنمية مرحلة جديدة من الرهانات الإستراتيجية تستوجب تسريع نسق الإصلاح واستباق الزمن مواكبة لتسارع التحولات، وتحقيق مزيد من نجاعة الأداء وتدعيم فعالية الإجراءات. وهي مرحلة محورية تطمح تونس من خلالها إلى الإرتقاء إلى مصاف الدول المتقدمة وإلى رفع نسق النمو في محيط يتميز باقتصاد متحرر دون حماية. وفي هذا الإطار يتنزل القرار الرئاسي الذي أعلن عنه سيادة رئيس الجمهورية بمناسبة الإحتفال بالذكرى العشرين للتحول في 7 نوفمبر 2007 والقاضي " بالقيام باستشارة وطنية لتحديث الوظيفة العمومية ودعم قدرتها على مواكبة التحولات الجارية"، وذلك انطلاقا من أهمية دور العنصر البشري في ضمان اضطلاع الإدارة العمومية بدورها على الوجه الأفضل كعامل مؤثر في دفع التنمية.
|